Excerpt for سوق نفسك by kamal Fahmy, available in its entirety at Smashwords

مقدمة

كان الناس فيما مضى يظنون أنَّ التسويق يتعلق بالمنتجات الاستهلاكية، أو بالخدمات التجارية، أو حتى خاص بالحكام، لكن بحوث التسويق والتجارب والاحتكاك، كل ذلك أوضح أن التسويق متشعب ومتشابك، ويدخل في كل شيء في حياتنا، في تسويق الدول والأفكار، بل حتى في تسويق الأشخاص.

وقصتي مع تسويق الأشخاص غريبة؛ بدأت الكتابة وكلي حماس لأن يسوّق الأخيار والفضلاء وذوي الطاقات أنفسهم، ولا يتركوا المجتمع نهبًا للسطحيين أو المفسدين، وكلي قناعة بأهمية ذلك، وبحثت عن مراجع تتحدث عن ذلك؛ فلم أجد شيئًا ذا بال كتبه العرب في هذا الصدد، واستغربت لماذا لم يكتب أحد كتابة تفصيلية في هذا الموضوع على أهميته البالغة وخطورته العلمية والدعوية؟! فاستعنت بالله وشرعت في الكتابة في هذا الموضوع.

ولكن ما أن توسطت في البحث إلا ووجدت نفسي تنازعني في أصل البحث: هل يجوز تسويق النفس؟ وهل التعامل مع الله والصدق معه والإخلاص له يقتضي التجرد حتى من تسويق النفس؟ هل حماسي لتسويق الشخصيات هو من التأثر بالكتابة الغربية والثقافة الغربية التي تجعل الشخص يمجد نفسه ولا يهمه شيء غيرها (أنا ومن بعدي الطوفان)؟ وهل هذا من بقايا الثقافة الغربية النشاز التي تجعل المبادئ خادمة للذات لأنَّ الذات خادمة للمبادئ؟ خادمة للذات، وليس العكس؟.

وقررت أن أكمل البحث، ولتكن النتائج بأي شكل! وأعتقد أنَّي لم أنته من هذا الكتيب إلا وقد اتضحت الصورة؛ فقد حسمت كثير من التساؤلات التي كان بعضها يتزاحم في نفسي كما تتزاحم في نفوس كثير من الناس، فهذا الكتيب يجيب عن كثير من التساؤلات من أمثال:

هل التسويق خاص بالسلع، أم يصح أن يستخدم لتسويق الأشخاص؟

هل يجوز تسويق الإنسان نفسه، أم ينتظر الأجر من الله فقط؟ وهل بينهما تعارض؟

هل يختلف التسويق للنفس في ثقافتنا عن النمط الغربي الهوليودي؟ وما أوجه الاختلاف إن وجدت؟

هل يجب أن تسوق نفسك؟ وماذا ستسوق عن نفسك؟

ما العمليات التسويقية التي يمكن أن أقوم بها لأسوق لنفسي؟

ماذا يعني نجاحي في تسويق نفسي؟ هل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟!! أوليس الحقيقة أهم من التسويق؟

أليس المنتج الجيد يسوق نفسه تلقائيًّا؟! فلماذا تسويق الأشخاص؟؟

وغير ذلك من التساؤلات الكثيرة... التي أعتقد أنَّ ما من أحد منا إلا وتتزاحم في نفسه أو في فكره؛ فكتبت المباحث باختصار شديد، جامعًا الشرعية والكتابة التسويقية التخصصية، حسب رؤيتي وقدرتي، وأسأل الله أن يخلص لنا النيات، وأن يبارك فيها، وينفع بها.

د. عبد الله بن سالم باهمام

أحكام شرعية، ومنهجية

كثير من القضايا المعاصرة في المجالات الإنسانية والعلمية والحياتية، تحتاج إلى تقعيد شرعي ومنهجي قبل الحكم عليها بالصواب أو الخطأ؛ إذ إنها ترتبط -غالبًا- بمجموعة من القضايا المتفرقة، التي ينبغي ضبطها شرعًا قبل الحكم في المسألة، كما ترتبط -غالبًا- بمكونات ثقافية مختلفة، تحتاج هي الأخرى إلى تحليل أيضًا، فمن هذه القضايا الحياتية التي تحتاج إلى نظر وتأمل: القضايا التسويقية الشخصية، فهل يا ترى نحتاج لأن نسوق لأنفسنا؟ وما حكم الشرع في ذلك؟ وما ضوابط تلك المنهجية؟

الناس في ذلك فريقان:

- الفريق الأول يتساءل: ألسنا نتعامل مع الله؟! فلماذا نشرك معه غيره ؟! ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: ((من سمَّع سمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به)) (1) ؟!

أليس في تسويقنا لأنفسنا قدحٌ في إخلاصنا لله -سبحانه- وطلبٌ لما عند الناس؟! ثم ألا تكفي أعمالنا لتسوق لنا، وإذا كان الأمر كذلك فما الداعي للحديث عن وسائل وطرق تسويق الشخص نفسه؟ أليس من الأفضل أن نكون أتقياء أنقياء أخفياء؟! كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله يحب العبد التقي الغني الخفي(2))).

- والفريق الثاني: يقول: نعم، نريد أن نكون أكثر إخلاصًا، ولكن مع هذا الإخلاص نريد أن نكون أئمةً في الخير يتبعنا الناس ونقودهم له، أليس مما تعلمناه من دعاء القرآن قوله {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}[الفرقان:74].

أليس الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم نبي الله يوسف -عليه السلام- هو الذي قال للملك: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم}[يوسف:55]

أليس نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو من كان يعرض نفسه على القبائل؟!

أليس القادة والأئمة كالدعاة لهم مثل أجور من تبعهم؟!

فكيف نترك هذا الأجر العظيم؟ ولماذا ؟! وهل تريدون منا أن نترك إعمار الأرض للكفرة باسم الزهد والورع؟! وهل أنتم أزهد وأورع من الخلفاء الأربعة؟!

وبين الطرفين يبقى التساؤل مطروحًا: ما حكم الشرع في أن يُسَوِّق الإنسان نفسه؟ وهل جاءتنا هذه المفاهيم من الغرب المادي المفتون بالنجومية والتميز والظهور؟! أم أنَّها من التفكير الناضج والعلم المنضبط بالشرع، الذي ينبغي أن نتعلمه؟!

وقبل الشروع في توضيح ذلك الأمر والرد على هذه التساؤلات لابد أولًا: من توضيح عدة نقاط مرتبطة بتسويق الإنسان نفسه، وَرَدَ فيها في الشرع آثار وأقوال، ثم نبين بعد ذلك المحاذير والتنبيهات عليها، ونوضح الفروق بينها، ومن هذه الأمور:

1 - فضل الإمامة في الدين وعمل البر وتحري العدل والصدق والإخلاص عند اختيار الولاة.

2 - فضل التواضع والخفاء وخمول الذكر، والنهي عن سؤال الإمارة أو الحرص عليها، واختيار ترك الولايات إذا لم يتعين على الشخص القيام بها، أو تدع الحاجة إليه.

3 - تزكية النفس.

4 - حكم مدح الإنسان لنفسه، وحكم الممدوح.

5 - حكم إظهار العمل الصالح وإخفائه.

6 - ملحق: أقوال في قول يوسف عليه السلام: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم}[يوسف:55]

7 - محاذير وتنبيهات شرعية لبعض الأشكال التسويقية.

8 - الفرق بين المنهج الشرعي والمنهج الغربي في التسويق للنفس.

9 - لماذا تُسَوِّق نفسك؟

ونستعين بالله في تفصيل هذه الأمور:

فضل الإمامة في الدين وعمل البر

فضل الإمامة في الدين وعمل البر، وتحري العدل والصدق والإخلاص عند اختيار الولاة:

ﭧ ﭨ {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}[الفرقان:74].

قال القرطبي: فيه دليل على أنَّ طلب الرياسة في الدين ندب (3)، وقال ابن القيم: وتأمل كيف جعل جزاءهم في هذه السورة الغرف؛ وهي المنازل العالية في الجنة، ولما كانت الإمامة في الدين من الرتب العالية، بل من أعلى المراتب التي يُعطاها العبد في الدين كان جزاؤه عليها الغرفة العالية في الجنة (4).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله(( وذكر منهم: ((إمام عادل(((5).

وقال صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين: الذين يَعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا(((6).

وقال صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ أحبَّ الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسًا إمامٌ عادل، وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم مجلسًا: إمام جائر(((7).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ في الجنة قصرًا يُقال له: عدن، حوله البروج والمروج، له خمسة آلاف باب، عند كل باب خمسة آلاف حيرة، لا يدخله -أو لايسكنه- إلا : نبي، أو صديق، أو شهيد، أو إمام عادل))(8). وقال صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم))(9).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((يوم من إمام عادل أفضل لأمتي من عبادة ستين سنة))(10).

وقال علي بن أبي طالب -رحمه الله- على المنبر في يوم الجمعة: أيها الرعاء، إنَّ لرعيتكم حقوقًا: الحكم بالعدل، والقَسْم بالسوية، وما من حسنة أحبُّ إلى الله من حكم إمام عادل (11).

وقد أجمع أهل العلم على هذا الفضل، قال النووي: وأما من كان أهلًا للولاية، وعدلًا فيها؛ فله فضل عظيم، تظاهرت به الأحاديث الصحيحة، وإجماع المسلمين منعقد عليه، ومع هذا فلكثرة الخطر فيها حذَّر صلى الله عليه وسلم منها، وكذا حذر العلماء، وامتنع منها خلائق من السلف، وصبروا على الأذى حين امتنعوا. اهـ (12)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وذلك أنَّ الولايات وإن كانت خطرة لكن إذا أقيم أمر الله فيها لم يعدلها شيء من الأعمال، وإنَّما يُهاب الدخول فيها أولًا خشيةَ ألا يُقام أمر الله فيها لكثرة نوائبها، وخشيةَ أن يُفتن القلب بالولاية؛ لما فيها من الشرف والعز، ويُكره طلبها؛ لأنَّ حُبَّ الشرف وإرادة العلو في الأرض يكون الغالب فيها، ولأنَّه تَعرُّضٌ للمحنة والبلوى؛ فإذا ابْتُلِيَ المرءُ بها صار القيام بها فرضًا عليه، وكذلك إذا تَعَيَّنَتْ عليه، وأمَّا إمامته صلى الله عليه وسلم وإمامة الخلفاء الراشدين فكانت مُتعيّنة عليهم (13).اهـ

فضل التواضع والخفاء وخمول الذكر

فضل التواضع والخفاء وخمول الذكر، والنَّهي عن سؤال الإمارة أو الحرص عليها، واختيار ترك الولايات إذا لم تتعين على الشخص، أو تدع حاجة إليها:

ﭧ ﭨ {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين}[القصص:83].

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أَتَتْكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أَتَتْكَ عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا)) (14)، قال النووي: وفي هذا الحديث فوائد منها:

- كراهة سؤال الولاية، سواء ولاية الإمارة والقضاء والحِسْبة وغيرها.

- ومنها: بيان أنَّ من سأل الولاية لا يكون معه إعانة من الله تعالى، ولا تكون فيه كفاية لذلك العمل، فينبغي أن لا يُولَّى من يطلب الولاية(15). اهـ

وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإنَّي أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا تولّينَّ مال يتيم)) (16) .

وعنه قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي، ثم قال: ((يا أبا ذر! إنِّك ضعيف وإنَّها أمانة، وإنَّها يوم القيامة خزي وندامة؛ إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها))(17).

قال الحافظ ابن حجر: قال النووي: هذا أصل عظيم في اجتناب الولاية، ولاسيما لمن كان فيه ضعف، وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل؛ فإنًّه يندم على ما فَرَطَ منه إذا جُوزي بالخزي يوم القيامة، وأمَّا من كان أهلًا وعدلًا فيها؛ فأجره عظيم، كما تظاهرت به الأخبار، ولكن في الدخول فيها خطر عظيم، ولذلك امتنع الأكابر منها، والله أعلم. اهـ (18).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة))(19).

وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله، أَمِّرْنا على بعض ما ولاك الله عز وجل، وقال الآخر مِثْلَ ذلك، فقال: ((إنَّا والله لا نُولِّي هذا العمل أحدًا سأله أو أحدًا حَرَصَ عليه))(20).

قال ابن حجر عن الحديث: وظاهر الحديث منع تولية مَنْ يحرص على الولاية، إمَّا على سبيل التحريم أو الكراهة، وإلى التحريم جَنَحَ القرطبيُّ، ولكن يُستثنى من ذلك مَنْ تَعَيَّنَ عليه (21). اهـ

وقال صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم بأهل الجنة ؟ كل ضعيف مُتَضَعِّف، لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار ؟ كل عُتُلٍّ جَوَّاظٍٍ مُستكبر))(22).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ وَإِنَّ مَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ إِنَّ يُحِبُّ اللَّهَ الْأَبْرَارَ الْأَتْقِيَاءَ الْأَخْفِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُعْرَفُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ))(23).

ولقد كثر حديث السلف عن ذلك؛ فعن علي -رضي الله عنه- قال: لا تبدأ لأن تَشتهر، ولا ترفع شخصك لتُذْكر، وتعلَّمْ، واكتم، واصمت تَسْلَمْ، وتَسُرّ الأبرارَ، وتغيظُ الفُجَّار)، وقال إبراهيم بن أدهم -رحمه الله-: (ما صَدَقَ اللهَ مَنْ أحبَّ الشهرة)، وقال أيوب: (ما صَدَقَ اللهَ عبدٌ إلا سَرَّهُ أن لا يَشعرَ بمكانه)، وقال محمد بن العلاء: (مَنْ أحبَّ الله أحبَّ أن لا يَعرفَهُ الناس)، قال الفُضَيْلُ: (إن استطعتَ ألا تُعْرفَ فافعلْ، وما عليك ألا يُثنى عليك، وما عليك أن تكون مذمومًا عند الناس، محمودًا عند الله)، ولما رأى طلحة قومًا يمشون معه فقال: (ذُبابُ طمع، وفِراشُ النار)، وقال حماد بن زيد: كنا إذا مررنا على المجلس ومعنا أيوب فسلَّمَ؛ رَدُّوا رَدًّا شديدًا، فكان ذلك يَغمُّهُ.

تزكية النفس ومدحها

ﭧ ﭨ فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}[النجم:32] وﭧ ﭨ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلا}[النساء:49]، وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ((لا تزكوا أنفسكم؛ إنَّ اللّه أعلم بأهل البر منكم))(24).

قال النووي (25): اعلم أنَّ ذِكْرَ محاسن النفس ضربان: مذموم ومحبوب؛ فالمذمومُ: أن يَذكرَه للافتخار، وإظهار الارتفاع، والتميّز على الأقران، وشبه ذلك، والمحبوبُ: أن يكونَ فيه مصلحة دينية، وذلك بأن يكون آمرًا بمعروف، أو ناهيًا عن منكر، أو ناصحًا، أو مشيرًا، بمصلحة أو معلمًا، أو مؤدبًا، أو واعظًا، أو مُذكِّرًا، أو مُصلحًا بين اثنين، أو يَدفعُ عن نفسه شرًّا، أو نحو ذلك، فيذكر محاسنَه، ناويًا بذلك أن يكون هذا أقربَ إلى قَبول قوله، واعتمادِ ما يذكُره، أو أن هذا الكلام الذي يقوله لا تجدونه عند غيره، فاحتفظوا به أو نحو ذلك.

وقد جاء في هذا المعنى ما لا يحصى من النصوص؛ كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((أنا النَّبِي لا كَذِبْ))(26)، وقوله صلى الله عليه وسلم مُتحدِّثًا بنعمة ربه عليه: ((أنا سَيِّدُ وَلَد آدَم يوم القيامة، وأول من ينشَّق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع))(27)، وقوله صلى الله عليه وسلم في موضع آخر: ((قد علمتم أنَّي أتقاكم لله، وأصدقكم، وأبركم))(28)، وقوله صلى الله عليه وسلم في موضع ثالث: ((أنا أتقاكم لله، وأعلمكم بحدود الله))(29)، وفي حديث صيام الوصال: ((إنَّي أبِيتُ يطعمني ربي ويسقيني))(30)، وأشباهه كثيرة.

وقال يوسف -عليه السلام-: ﱫ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﱪ [ايوسف: 55]، وقال شعيب -عليه السلام-: ﱫﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﱪ [القصص: 27]، وقال عثمان -رضي الله عنه- حين حُصِرَ: ألستم تعلمون أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ)) فجهّزتها؟ ألستم تعلمونَ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ حَفَرَ بِئرَ رُومَة؛ فَلَهُ الجَنَّةُ)) فحفرتها؟ فصدّقوه بما قاله(31).

وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أنَّه قال حين شكاه أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وقالوا: لا يُحسن يصلي، فقال سعد: والله إنّي لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله(32).

وعن عليّ -رضي اللّه عنه- قال: والذي فلق الحبَّة وبرأَ النسمةَ إنَّه لعهدُ النبيّ صلى الله عليه وسلم إليّ: ((أنَّه لا يحبني إلا مؤمنٌ، ولا يبغضني إلا منافق))(33).

وعن أبي وائل قال: ((خطَّبنا ابنُ مسعود- رضي الله عنه- فقال: والله لقد أخذتُ من فِيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة، ولقد علمَ أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّي مِنْ أعلمهم بكتاب الله تعالى، وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أنَّ أحدًا أعلمُ مني؛ لرحلتُ إليه))(34).

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنَّه سئل عن البدنة إذا أزحفت؟ فقال: ((على الخبير سقطْتَ)) -يعني: نفسَه-(35).

ونظائر هذا كثيرة لا تنحصر، وكلُّها محمولة على ما ذكرنا، والله أعلم.

قال القرطبي (36): يقتضي الغض من المزكي لنفسه بلسانه، والإعلام بأنَّ الزاكي المُزكَّى من حسنت أفعاله، وزكاه الله -عز وجل-؛ فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنَّما العبرة بتزكية الله له، فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه، ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية؛ كزكي الدين، ومحيي الدين، وما أشبه ذلك، لكن لما كثرت قبائح المُسَمَّيْن بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها؛ فصارت لا تُفيد شيئًا، وقال: فقال يوسف -عليه السلام-: ﱫﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﱪ [يوسف: 55] مدح نفسه، ويجوز (ذلك) للرجل إذا جُهل أمره للحاجة، وذَكَرَ أنَّه حفيظ أي؛ خازن أمين، عليم ذو علم وبصيرة بما يتولاه، ودلت الآية أيضًا على أنَّه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل.

قال الماوردي: وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات، ولكنَّه مخصوص فيما اقترن بوصله، أو تعلق بظاهر من مكسب، وممنوع منه فيما سواه، لما فيه من تزكية ومراءاة، ولو ميَّزَهُ الفاضل عنه لكان أليق بفضله؛ فإنَّ يوسف دعته الضرورة إليه لِمَا سبق من حاله، ولِمَا يرجو من الظَّفَر بأهله. اهـ

مدح الإنسان لغيره

روى البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه: أنَّ رجلًا ذُكِرَ عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويحك، قطعت عنق صاحبك -يقوله مرارًا- إن كان أحدكم مادحًا لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنَّه كذلك، والله حسيبه، ولا يزكي على الله أحدًا)).

وفي الحديث الآخر: ((قطعتم ظهر الرجل))(37)، وفي صحيح مسلم أيضًا عن همام بن الحارث: أنَّ رجلًا جعل يمدح عثمان، فعمد المقداد، فجثا على ركبتيه -وكان رجلًا ضخمًا-، فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رأيتم المدَّاحين؛ فاحثوا في وجوههم التراب))، وقال: ((احثوا التراب في وجوه المدّاحين))(38).

ولكن ليس هذا على إطلاقه؛ فالمعروف من سيرته صلى الله عليه وسلم أنَّه مُدِحَ بالشعر والخطب والمخاطبة، ولم يَحْثُ في وجوه المادحين التراب، ولا أمر من حوله بذلك، كقول أبي طالب:

وأبيضُ يُسْتَسْقَى الغمامُ بوجْهِهِ

ثُمَالَ اليتامى عِصْمَةٌ للأرامل(39)ِ

ومدح العباس وحسان وكعب بن زهير له في شعرهم ذائع الصيت، بل ومدحه هو صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال: ((إنَّكم لتقلون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع)).

قال القرطبي (40): فنهى صلى الله عليه وسلم أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه؛ فيدخله في ذلك الإعجاب والكبر، ويظن أنَّه في الحقيقة بتلك المنزلة، فيحمله ذلك على تضييع العمل، وترك الازدياد من الفضل؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:‏ ((‏ويحك قطعت عنق صاحبك))‏.‏ وفي الحديث الآخر: ‏((قطعتم ظهر الرجل)) حين وصفوه بما ليس فيه.‏

وعلى هذا تأول العلماء قوله صلى الله عليه وسلم:‏ ‏((‏احثوا التراب في وجوه المداحين))‏: أنَّ المراد به: المداحون في وجوههم بالباطل، وبما ليس فيهم، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه؛ فأما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود؛ ليكون منه ترغيبًا له في أمثاله، وتحريضًا للناس على الاقتداء به في أشباهه؛ فليس بمداح، وإن كان قد صار مادحًا بما تكلم به من جميل القول فيه. وهذا راجع إلى النيات، ﭧ ﭨ ﱫ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭱ ﱪ [البقرة: 220] .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث: ((لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله))(41)؛ فمعناه: لا تصفوني بما ليس فيَّ من الصفات؛ تلتمسون بذلك مدحي، كما وصفت النصارى عيسى ابن مريم بما لم يكن فيه، فنسبوه إلى أنَّه ابن الله؛ فكفروا بذلك وضلُّوا.

وهذا يقتضي: أنَّ من رفع أمرًا فوق حده، وتجاوز مقداره بما ليس فيه؛ فمعتدٍ آثم؛ لأنَّ ذلك لو جاز في أحد لكان أولى الخلق بذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.

قال محمد المباركفوري في تحفة الأحوذي شرح الترمذي: فأما من مدح الرجل على الفعل الحسن والأمر المحمود يكون منه ترغيبًا له في أمثاله، وتحريضًا للناس على الاقتداء به، فليس بمدَّاح(42).

وقال النووي (43): ومدح الإنسان يكون في غيبته وفي وجهه، فالأول: لا يُمنع إلا إذا جازف المادح ودخل في الكذب، فيَحْرُم للكذب لا لكونه مدحًا، ويُستحبُّ ما لا كذب فيه إنْ ترتب عليه مصلحة، ولم يَجُرّ إلى مفسدة، والثاني: قد جاءت أخبار تقتضي إباحته، وأخبار تقتضي منعه، وجُمِعَ (بينهما) بأنَّه: إن كان عند الممدوح كمالُ إيمان وحُسنُ يقين ورياضة، بحيث لا يُفتَنُ ولا يَغترّ ولا تَلعبُ به نفسُهُ؛ فلا يَحْرمُ ولا يُكْرَهُ، وإنْ خيف عليه شيءٌ من ذلك: كُرِهَ مدحه. اهـ

إظهار العمل الصالح وإخفاؤه

ليست الأعمال الصالحة نوعًا واحدًا، فمن الأعمال ما يحسن إخفاؤه كما أنَّ منها ما يَحْسُنُ إظهاره وإشهاره، ويمكن توضيح ذلك بالأصليين التاليين:

الأصل الأول: إخفاء الأعمال غير المفروضة وعدم ذكرها؛ ﭧ ﭨ ﱫ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﱪ [البقرة: 271] وﭧ ﭨ ﱫ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﱪ [الإنسان: 9] ، وقال بعض الحكماء: (إخفاء العمل نجاة، وإخفاء العلم هَلَكَةٌ).

فالأصل إظهار أعمال الفرائض؛ تبرئةً للذمة، وإظهارًا للشرائع، قال أبو جعفر: (قد أجمع الجميع على أنَّ الفضل في إعلان الفرائض وإظهارها -سوى الزكاة التي ذكرنا اختلاف المختلفين فيها مع إجماع جميعهم على أنَّها واجبة- فحكمها: أنَّ الفضل في أدائها علانية حكم سائر الفرائض وغيرها).

ويستثنى من هذين الأصليين: مَنْ جمع بين الأمرين التاليين:

1 - مَنْ يُقتدى به: قال الحافظ ابن حجر في الفتح (44): (وفي الحديث استحباب إخفاء العمل الصالح، لكن قد يُستحب إظهاره مِمَّنْ يُقتدى به على إرادته الإقتداء به، ويُقدَّر ذلك بقدر الحاجة). اهـ.

2 - ومَنْ أَمِنَ على نفسه خَطَرَاتِ الشيطان: قال ابن جرير: (فيه أنَّه لا بأس في إظهار العمل للناس، لِمَنْ أَمِنَ على نفسه خَطَرَاتِ الشيطان والرِّياءِ والإعجاب). اهـ (45).

وجمعها ابن عبد السلام فقال: (لكن يستثنى من يُظهره ليُقتدى به، أو ليُنتفع به ككتابة العلم، فمن كان إمامًا يُستنُّ بعلمه، عالمًا بما لله عليه، قاهرًا لشيطانه؛ استوى ما ظَهَرَ من علمه وما خَفِيَ؛ لصحةِ قصده، والأفضلُ في حقِّ غيره: الإخفاءُ مُطلقًا)اهـ (46)

ومما سبق يتضح لنا: أنَّ الإخفاء المحمود يكون في الأعمال الصالحة والعبادات التي تُقرب الإنسان من ربه، وليس في القدرات والإمكانيات والمواهب الخاصة؛ فهذه الأخيرة إظهارها وإخفاؤها يعود للهدف منها، فإن كان الهدف تولي ولاية فتعود لحكم طلب الولاية وقد تقدم، وإن كان الهدف الظهور والشهرة؛ فتعود لحكم الظهور والشهرة، وإن كان الهدف الوصول لأمر من الأمور؛ فهي كذلك.

قول يوسف عليه السلام

ملحق: أقوال في قول يوسف -عليه الصلاة والسلام-: ﱫ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﱪ [يوسف: 55]:

تضمن قول يوسف -عليه السلام- طلبًا للولاية، وذِكْرًا لقدراته، ومدحًا لها؛ ولذا اختلف كثيرًا في ذلك أهلُ العلم، ومن جميل ما قِيلَ في ذلك: ما قاله القرطبي(47): ودلَّت الآية -أيضًا- على جواز أن يطلب الإنسان عملًا يكون له أهلًا؛ فإن قيل: فقد روى مسلم عن عبدالرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنَّك إن أُعْطِيتَها عن غيرِ مسألةٍ أُعِنْتَ عليها، وإن أُعْطِيتَها عن مسألة وُكِلْتَ إليها))(48).

وعن أبي بَرَدَةَ قال: قال أبو موسى: أقبلتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم يَستاك، فقال: ((ما تقولُ يا أبا موسى -أو يا عبد الله بن قيس-))، قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنَّهما يطلبان العمل، قال: وكأنَّي أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت، فقال: ((لن -أو- لا نستعمل على عملنا مَنْ أراده...))، وذكر الحديث(49)، وغير ذلك من الأحاديث.

فالجواب:

أولًا: أنَّ يوسف -عليه السلام- إنَّما طلب الولاية؛ لأنَّه علم أنَّه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم، فرأى أنَّ ذلك فرضٌ مُتعَيَّنٌ عليه؛ فإنَّه لم يكن هناك غيره.

وهكذا الحكم اليوم، لو علم إنسان من نفسه أنَّه يقوم بالحقِّ في القضاء أو الحسبة، ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامَهُ؛ لتعيَّنَ ذلك عليه، ووجب أنَّ يتولاها، ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك، كما قال يوسف -عليه السلام- فأمَّا لو كان هناك من يقوم بها ويَصْلحُ لها وعلم بذلك؛ فالأولى ألا يطلب؛ لقوله -عليه السلام- لعبدالرحمن بن سمرة: ((لا تسألِ الإمارةَ..)).

وأيضًا فإنَّ في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليلًا على أنَّه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسُهُ فيهلك؛ وهذا معنى قوله -عليه السلام-: ((وُكِّلَ إليها))، ومن أباها؛ لعلمه بآفاتها، ولخوفه من التقصير في حقوقها فرَّ منها، ثم إن ابتلي بها فيُرْجَى له التخلص منها، وهو معنى قوله: ((أُعِينَ عليها)).

الثاني: أنَّه لم يقل: إنِّي حسيب كريم، وإن كان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ الْكَرِيمَ ابْنَ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ))(50)، ولا قال: إنِّي جميل مليح، إنَّما قال: ﱫ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﱪ [يوسف: 55]، فسألها بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجَمال.

الثالث: إنَّما قال ذلك عند من لا يعرفه؛ فأراد تعريف نفسه، وصار بذلك مستثنى من من قوله ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ [النجم : 32].

الرابع: أنَّه رأى ذلك فرضًا مُتعيَّنًا عليه؛ لأنَّه لم يكن هنالك غيرَهُ، وهو الأظهر، والله أعلم.

وقال ابن الجوزي: فإن قِيلَ: كيف مدحَ نفسَهُ بهذا القول، ومن شأن الأنبياء والصالحين التواضع؟

فالجواب: أنَّه لما خلا مدحه لنفسه من بَغْيٍ وتكبُّر، وكان مراده به الوصول إلى حقٍّ يُقيمُهُ، وعدلٍ يُحييه، وجَوْرٍ يُبطلُهُ: كان ذلك جميلًا جائزًا، وقد قال نبيُّنا صلى الله عليه وسلم: ((أنا أكرمُ ولد آدم على ربه))(51).

وقال عليُّ بنُ أبي طالب -رضي الله عنه-: ((والله ما من آيةٍ إلا وأنا أعلمُ أبليلٍ نَزَلَتْ أمْ بنهار))، وقال ابن مسعود: ((والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل؛ لركبت إليه))(52).

فهذه الأشياء خَرَجَتْ مَخْرجَ الشكر لله، وتعريف المُستفيد ما عند المُفيد، ذَكَرَ هذا محمدُ بن القاسم، قال القاضي أبو يعلى: في قصة يوسف -عليه السلام- دلالة على أنَّه يجوز للإنسان أن يَصِفَ نفسه بالفضل عَنْدَ من لا يعرفه، وأنَّه ليس من المحظور (الوارد) في قوله تعالى: ﱫﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﱪ [النجم : 32] (53).

محاذير وتنبيهات تسويقية

إظهار الأعمال الصالحة والشرف بالدين والرياسة مزلة أقدام؛ ولذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ))(54)؛ فحرص المرء على المال والشرف أفسد للقلب من فساد ذئب لزريبة غنم، فليحذر المسلم، ولينتبه لنفسه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كثيرًا ما يخالط النفوس من الشهوات الخفية ما يُفسد عليها تحقيق محبتها وعبوديتها له، وإخلاص دينها، كما قال شداد بن أوس: يا بقايا العرب! إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم الرِّياء والشهوة الخفية، قيل لأبى داود السجستانى: وما الشهوة الخفية؟! قال: حُبُّ الرئاسة.

وعن كعب بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ))(55).

فبيَّنَ: أنَّ الحرص على المال والشرف في فساد الدين لا يَنقصُ عن فساد الذِّئْبَيْنِ الجائعينِ لزريبةِ الغنم، وذلك بَيِّن؛ فإنَّ الدين السليم لا يكون فيه هذا الحرص، وذلك أنَّ القلب إذا ذاقَ حلاوة عبوديته لله ومحبته له؛ لم يكنْ شيءٌ أحبَّ إليه من ذلك حتى يُقدِّمَهُ عليه.

فبعض الناس يعتاد على إظهار عمله الصالح بدون قصد وهدف، والأصل أنْ يعتاد المسلم على إخفاء عمله، وأنْ تكون عادته وطريقته قائمة على إخفاء عمله الصالح، فإن اجتمع فيه إرادته أن يقتدي به الناس وتحقيقه لعبودية قلبه؛ بحيث لا يضره مدح المادح، ولا يؤثر فيه، ولا يفتح أبوابه للشيطان وكان للإظهار مصلحة؛ فلا بأس، وإلا فعمل السر أفضل، ﭧ ﭨ ﱫ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﱪ [البقرة: 271].

وينبغي التأكيد على المسلم أنَّه مهما أظهر من العمل الصالح، فإنَّه ينبغي أن يكون له أعمال سر بينه وبين ربه، لا يطلع عليها غير ربه وإلهه وسيده وخالقه ومولاه، يرجو ثوابها منه وحده، فهذه الأعمال مهما كانت صغيرة فثمارها وأجرها كبير، ومثل هذه الأعمال لها أثرها على قلب صاحبها، كما لها أثرها في علاقة الإنسان بربه، وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ((وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ))(56)، ومما روي: أنَّ المسيح ابن مريم قال: ((إذا كان يوم صوم أحدكم؛ فليدهن لحيته، ويمسح شفتيه حتى يخرج إلى الناس فيقولون: ليس بصائم))(57).

ومرجع أكثر هذه القضايا إلى أعمال القلوب، ﭧ ﭨ ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﱪ [آل عمران : 174]، وقال -أيضًا-: ﱫ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭱﱪ [البقرة : 220].

والقلوب محل نظر الله -سبحانه-، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))(58).

بل القلب هو الملك الذي يقود باقي الجنود، كما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير: ((ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))(59).

ولذا ينبغي أولًا لكل من يسعى لتسويق نفسه أن يبدأ بإصلاح قلبه وتعبيده لله، وأن يكون همه وإرادته متوجهة لله وحده، لا يريد إلا إياه، وعند ذلك يصبح التسويق جائزًا للنفس إن لم يكن مندوبًا أو واجبًا عليه، وعند ذلك لا ينفعه مدحُ مادح، ولا يضره قدح قادح، ولا تشغله رياسة، فهو أعرف بنفسه، ولا يريد إلا مرضاةَ ربه، يرى الرئاسة تكليفًا لا تشريفًا، بل قد يتمنى كما تمنَّى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن يخرج من الخلافة لا له ولا عليه؛ لا أجر ولا وِزْرَ، مع أنَّه أحد العشرة، وثاني الخلفاء الراشدين، وهو الذي فتح الفتوح، وفَعَلَ وَفَعَلَ، لكن من يتعامل مع الله له شأن مع قلبه يختلف عمَّن قلبُهُ متعلقٌ بإرادة الرئاسة أو الوجاهة، فهو متعلق بالدنيا وزينتها، همه التسميع والمراءاة؛ لذا يُقال لأمثال هؤلاء ما قاله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ به، ومَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ))(60)، ((وإِنَّا لا نولي هذا الأمر مَنْ سأله أو حَرَصَ عليه))(61).

أمَّا مَنْ وَحَّدَ الله بقلبه، ولم يُشْرِكْ معه غيره، ولم تكن نفسه تتطلع للرياسةِ ولا لمدح الناس، وكان همّه الإصلاح ونفع المسلمين، فلمثل هؤلاء يُقال: طَلَبُكم للرياسة تُثابُونَ عليه، والوصول إلى ذلك -مع العدل والإخلاص والإحسان- وصول للرتب العالية؛ ولذا عقَّبَ الله على دعائهم بقوله: ﱫﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﱪ [الفرقان : 75-76]. نسأل الله أن نكون جميعًا من هؤلاء.

بين الشرع والغرب في تسويق النفس

هل المفاهيم التي يقوم عليها حب الإمامة وتسويق النفس في الشرع هي نفسها في المنهج الغربي المادي؟

بعد بيان المنهج الشرعي بشيء من التفصيل في الصفحات السابقة، يمكن القول: إنَّ هناك فروقًا جوهرية بين المنهجين تظهر في العديد من النقاط الآتية:

حب الظهور والبروز والتميز:

من حيث حب الظهور والبروز والتميز: يقوم المنهج الشرعي على أنَّ المسلم يقصد بعمله وجه الله، لا يريد إلا وجهه، ﭧ ﭨ ﱫ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﱪ [الإنسان : 9] ، وكلما كان العمل في السر والخفاء كان أفضل، فإن أظهره انتقل من عمل السر -الذي هو أفضل- إلى عمل العلانية. ويربي المسلمون أنفسهم وأتباعهم على ذلك، ويحرصون على عدم التميز لا بلبس ولا بعادة ولا غير ذلك؛ فعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا: أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَلْهَبَ فِيهِ نَارًا))(62)، فيكره لهم الظهور والتشهير وإن كانوا يتسابقون إلى طاعة الله، وإلى ما يُقَرِّبُ إليه! بينما يغلب على المنهج الغربي المادي حبُّ الظهور والبروز، فليس للعمل لديهم معنًى ما لم يكن ظاهرًا ومعروفًا ومنسوبًا إلى صاحبه، ولذا تجدهم يحرصون ويتسابقون في البروز والتميز والظهور ولو كان التميز بشكل غريب أو طريقة تبدو مُنفِّرة، ويُربُّون أبناءهم على التميز على أقرانهم وعلى إظهار قدراتهم وتبيين نبوغهم. قارن بين هذا الموقف وبين ما أعلنه الإمام الشافعي -رحمه الله- كما يروي ابن كثير في (البداية والنهاية) إذ يقول: ((وَدِدْتُ أنَّ الناس تعلموا العلم ولا يُنسَبُ إليَّ شيءٌ منه أبدًا؛ فأُوجَرَ عليه ولا يَحمدوني)) تجدِ البونَ شاسعًا، والفرقَ واضحًا جليًّا، لا يخفي على ذي عينين.

بين الإمامة والرئاسة:

في المنهج الشرعي يكون الحرص على الإمامة من أجل زيادة أجر الإنسان عند الله؛ إذ أن له مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا؛ فهو من قبيل التسابق إلى الخير، ﭧ ﭨ ﱫﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﱪ [الحديد : 27] ، وفيه حِرْصٌ على الأجر ونفعِ المسلمين وخدمتهم، فهو تكليف لا تشريف، بينما في المنهج الغربي الحرص على الرئاسة والقيادة يكون من أجل السيطرة على الناس، والظهور عليهم، والبروز عنهم، وتحصيل الفرص قبل الآخرين، وتحصيل للشرف والسؤدد والنجومية.




بين التنافس على البناء والصراع على السلطة:

المنهج الشرعي يقوم على التنافس والتسابق في الخير للبناء ونفع الناس، بينما المنهج الغربي يقوم على الصراع من أجل الحصول على السلطة؛ لتحصيل مكاسب شخصية أو فئوية؛ ولذا يركز المنهج الشرعي على نفع الآخرين ونشر العلم والخير: ((خير الناس أنفعهم للناس))(63)، و ((الخلق كلهم عيال الله، فأحب خلقه إليه، أنفعهم لعياله))(64)، بينما يركز المنهج الغربي على تسليط الضوء على الشخص، وبيان اسمه، وتحقيق الشهرة والنجومية، إلى غير ذلك.




هدف وغاية التسويق للنفس:

المنهج الشرعي يهدف ويركز في تسويق النفس على ما عند الله والدار الآخرة، وإن كان لا يُغفل نصيب الدنيا، ﭧ ﭨ ﱫﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆﱪ [القصص : 77]، لذا تجدهم يتعبدون بالإمامة ويتنافسون في الخير، بينما تسويق النفس في المنهج الغربي ليس له إلا أهداف محصورة في الحياة الدنيا، فلها يحيون، ولها يعيشون، وفي سبيلها يموتون.




الإمامة تكون في الخير والحق، والرئاسة والإمارة تراهن على أي مبدإ:

المنهج الشرعي يركز على الغايات والمقاصد ويهتم بها، ولأَنْ يكون الإنسان تابعًا وذَنَبًا في الخير خير من أن يكون قائدًا ورأسًا في الباطل، فهو منهج يُركِّزُ على الغايات والمقاصد والمبادئ، بينما المنهج الغربي يركز على النجومية والتميز ولو كان التميز في الباطل والسوء والسخافة؛ ولذا يعد في المنهج الغربي نَجْمًا مَنْ فاز في مسابقةِ أقبح وجه، أو كان أكبر لصٍّ أو ما شابه ذلك!


لماذا تُسَوِّق نفسك؟

1 - لتحقيق الإمامة في الدين:

يقول ابن القيم -رحمه الله-: ((لما كانت الإمامة في الدين من الرتب العالية، بل من أعلى مرتبة يُعطاها العبد في الدين كان جزاؤه عليها الغرفة العالية في الجنة))(65)، وتسويق الإنسان نفسه لهذا الهدف نوع من أنواع التقرب إلى الله، وابتغاء مرضاته، والتعبد له، ليس لها علاقة بأي وجه بالتسميع، والرياء، والشهرة.

2 - من أجل نفع المسلمين:

بتسويق الإنسان نفسه تُفتح له من أبواب نفعِ الناس ما لا يمكن أن يُفتح لغيره، ونفع الناس بالنسبة للمسلم من أفضل القُرُبات وأحب الطاعات إلى الله، التي ينبغي ألاَّ يريد بها إلا وجهه، ﱫ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﱪ [الإنسان : 9]، وقال صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))(66).

وفي حديث آخر: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ))(67).

وقال أيضًا: ((... وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ))(68).

وروى ابن كثير في تفسيره عن أبي سعيد الخُدريِّ مرفوعًًا إلى الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَطْعَمَ مُؤْمِنًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَقَى مُؤْمِنًا عَلَى ظَمَإٍ سَقَاهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ كَسَا مُؤْمِنًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ))(69)، بل لا يفضل ويسود إلا من خدم الناس، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن سيد القوم خادمهم، فالنبي أفضل الناس، وأنفع الناس للناس، لكن منفعته في الحقيقة يعود إليه ثوابها، وتمام التقرب إلى الله يحصل بنفع خلقه؛ فهذا يَصْلُحُ أن يُوْرَدَ على من احتج بتدبيرهم لنا، ففضلهم علينا لكثرة منفعتهم لنا).ا.هـ(70)، وهذا نوع آخر من أنواع التقرب إلى الله، ومن تواضع لله رفعه.

3 - من أجل تحقيق ما تريد مما يرضي الله:

فالإمامة والسيادة والسلطة تساعد الإنسان على تحقيق ما يريد، كما قال عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: ((إنَّ الله يَزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن))(71)، فمن كان يريد طاعة الله يجب أن يكون تسويقه نفسه من الوسائل التي تمكنه من الطاعة؛ لأنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما يقول علماء الأصول.

أما -والعياذ بالله- مَنْ كان تسويقه نفسه من أجل العُلُوِّ في الأرض والفساد فما أصدق وصف الله -تعالى-: ﱫﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﱪ [القصص : 83].

4 - لأنَّ أفضل البضائع يمكن أن تكسد إذا لم تُسَوَّق:

وأفضل الأفكار يمكن أن تموت وتُنْسَى إذا لم يقم بها أصحابُها، وأفضل الأشخاص يمكن أنْ يُنسى في خِضَمِّ الحياة مع قدراته المتميزة، وهنا يجب التأكيد على أنَّ خمول الذكر ونسيان الناس للشخص ليس أمرًا سيئًا على إطلاقه، ولا حسنًا دائمًا، وإن كان يَغلب على الظن أنَّه حسن، وإنَّما يصبح سيئًا إذا أبعد الإنسانَ عن الفاعلية في الخير، وعن التسابق له.

ولمَّا قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: ((لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ)) بات الصحابة يدوكون(72) ليلتهم، أيُّهم يُعطاها(73) ؛ حتى قال عمر بن الخطاب: ((فما تمنيت الإمارة إلا يومئذٍ)).

5 - إبراءً للذمة ونصحًا للأمة:

فليس مقصودًا -لا شرعًا ولا عقلًا- مجرد الاعتزال والرهبنة، حتى ولو سميت زهدًا وورعًا، فهي عند ذلك زهدٌ وورع مذموم، كما أنَّه ليس مقصودًا مجرد الراحة، والسلامة، والبعد عن الناس وأذاهم؛ فـ ((الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ))(74).

وكما قال شيخ الإسلام: الزهد النافع المشروع الذي يحبه الله ورسوله هو الزهد فيما لا ينفع في الآخرة، فأمَّا ما ينفع في الآخرة، وما يُستعان به على ذلك فالزهد فيه زهد في نوع من عبادة الله وطاعته، والزهد إنَّما يُراد لأنَّه زهد فيما يضر، أو زهد فيما لا ينفع، فأمَّا الزهد في النافع فجهلٌ وضلال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ))(75)ا.هـ(76).

أخيرًا:

خلصنا إلى أنَّه ينبغي للمسلم أن يُخلص نيته لله، ويبتغي وجهه، ثم يُسَوِّق نفسه تسويقًا منضبطًا بالشرع، يرجو به ما عند الله، لا يأمل فيه شهرة ولا تميزًا عن الناس، ولا يتطلع فيه إلى رياسة، وإنَّما يُسَوِّق نفسه تعبدًا لله، ودعوة لسبيله، وبلاغًا لدينه، ونصرة لأمته.

ثم بعد تحرير هذه القضية يتساءل بعض الناس:

كيف يمكن أن أُسَوِّق لنفسي؟

وما مهارات التسويق الشخصي؟


إجراءات تسويقية عملية

بيَّنا فيما سبق الأحكام الشرعية والمنهجية المرتبطة بتسويق الأفكار، وخَلُصْنا إلى أنَّه إذا أراد المسلم أن يُسَوِّق نفسه فينبغي عليه الانتباه لنيته ومقصده، ويراجع قلبه وعبادته، ويكثر من عبادات الخلوات، ومن التأله والتضرع والانكسار لله -سبحانه وتعالى-، وأن يكون قاصدًا نفع الأمة، لا العلو والفساد في الأرض.

وفيما يلي الإجراءات العملية التي يحتاجها من يُسَوِّق نفسه؛ فالإجراءات العملية التي يمكن أن يقوم بها من يُسَوِّق نفسه كثيرة، ويمكن الحديث عنها من زوايا مختلفة، إلا أننا سنجمل الحديث عنها في النقاط المحددة التالية:

ماذا تسوق عن نفسك؟

يمكن لمن أراد أن يُسَوِّق نفسه أن يُسَوِّق رؤيته وأخلاقه وصفاته، كما يمكن أن يُسَوِّق مهاراته التي يمتاز بها، ومن الممكن أن يُسَوِّق نفسه لنيل فرصة وقتية آنية، ويمكن توضيح ذلك بالتالي:




تسويق رؤيتك وصفاتك وأخلاقك:

هو تسويق بعيد المدى، يقوم على تسويق القضايا الأصيلة في الشخص التي لا تتبدل لموقف، أو حدث، أو ظرف، وهذا النوع من التسويق أعمق أنواع التسويق، وغيرها من أنواع التسويق إنَّما تنجح إذا ارتكزت على رؤية يراها الإنسان لنفسه، وعلى صفات وأخلاق ثابتة فيه، وهو القاعدة التي تجعل لكل تسويق بعده أصلًا يرتكز عليه، وقاعدة يقوم عليها، وعند فقد هذه القاعدة يبدو التسويق نوعًا من أنواع التلاعب بالناس والاستهتار بهم، ومن هذا التسويق: تسويق الشخص نفسه أنَّه شخص موثوق به، وتسويق المصداقية، وتسويق التزامه وصدقه.




تسويق مهاري:

وهو التسويق الذي يعتمد على تسويق الإنسان لمهاراته وقدراته، وليس على تسويق الصفات والأخلاق، ولا على تسويق الفرص الوقتية، وهو تسويق يقترب -أحيانًا- من تسويق الصفات والأخلاق، ويقترب -أحيانًا- من تسويق الفرص، حسب المهارة، وحسب الحاجة لها والأحداث المحيطة بها، مثل تسويق الإنسان لقدراته الخطابية، أو المحاسبية، أو الإدارية، أو ما شابه ذلك.




تسويق وقتي (فرص):

وهو تسويق وقتي لفرصة حانت كانتخابات، أو ترشيحات، أو غير ذلك، فهو تسويق وقتي يفترض أن يكون فرصة لتسويق القضايا الأعمق السابقة، فالتسويق الوقتي يقطف ثمرة التسويقات السابقة، ويستغلها، ويكملها، ويقوم عليها، وفي المقابل هو تسويق يؤكد التسويقات الثابتة، فإن كان بدونها فهي الفضيحة التسويقية.

- الفروق بين مستويات ما تسوق عن نفسك؟

ماذا تسوق؟

الأهمية الإستراتيجية

السهولة والصعوبة

المدة اللازمة

تسويق رؤية وصفات وأخلاق

مهم جدًّا

يحتاج جهد كبير

طويل المدى جدًا

تسويق مهاري

مهم

يحتاج لجهد

متوسط المدى

تسويق وقتي (فرص)

استغلال فرصة فقط

أيسر

قصير المدى

كيف تسوق نفسك ؟

رؤيتك لنفسك ؟

لا يمكن التسويق بدون خطة، ولا يوجد خطة لا تقوم على رؤية، وللوصول لخطة مناسبة لتسويق شخص لابد من أن يمتلك رؤية لنفسه ومستقبله، وعلى ضوء هذه الرؤية يبدأ الإنسان في التخطيط لتسويق نفسه؛ لأنَّه لو لم يفعل ذلك ربما خطط وسوَّق بشكل جيد لنفسه ليصل لأمرٍ لا يريده، ولا يرغبه، ولا يحبه، وعندما يفقد الإنسان الرؤية يفقد معها الاتجاه، وربما أصبحت كل خطوة يخطوها تبعده عن أهدافه التي يريدها، فلا يصبح لتسويق الإنسان نفسه معنى.

ومن هنا كان لا بد أن يتأمل الإنسان كثيرًا في قلبه وعقله قبل أن يضع لنفسه خطة لتسويق نفسه، وينبغي أن يتساءل مع نفسه: ماذا أريد أن أكون؟ ولماذا؟ وهل حقيقة أنَّي أريد ذلك أم لا؟ فالنفس البشرية تتلون حتى تخفى على صاحبها أيضًا، ما لم يستعن الإنسان بالله، ويطلب منه وحده المدد والعون في أن يعينه على أن يعرف نفسه ومتطلباتها، ﭧ ﭨ ﱫﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﱪ [الحشر : 19]، والعاقل لا يغفل عن ساعة يخلو بها بنفسه يتعرف عليها، وعلى تطلعاتها، وكلما كانت رؤية الإنسان لنفسه أفضل كلما كانت خطته أفضل، وبالتالي تسويقه لنفسه أفضل، وتمتاز الرؤية التسويقية الجيدة للنفس بما يلي:


ذات اتجاه واحد:

فلا تصح الرؤية المتضاربة، فلا يمكن أن يُسَوِّق الإنسان نفسه في مجالين متناقضين؛ لأنَّه بذلك يجعل كل جهد تسويقي يفسد الجهد الآخر، وعلى الرُّغْم من وضوح ذلك إلا أنَّ كثيرًا من الناس يقعون فيه.

مركزة:

فمن أراد كل شيء فقد كل شيء، والمشتت الذي لا يركز في تسويقه نفسه على هُوِيَّة أو فكرة أو غير ذلك لا يصل إلى شيء، والفارق بين من رؤيته التسويقية لنفسه مركزة، وبين من رؤيته لنفسه مبعثرة كالفارق بين الضوء العادي وشعاع الليزر، وبقدر تحديد الإنسان لرؤيته لنفسه في الحياة بقدر قدرته على صياغة رؤية تسويقية مناسبة.

صادقة:

ونعني بالصدق هنا الواقعية؛ فبعض الناس رؤيته لنفسه لا تعبر عن حقيقة ما تريده نفسه، ومثل هذا غاية ما يصل إليه أن يحقق ما لا يريد، ﭧ ﭨ ﱫﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﱪ [الصف : 2].

متناسقة مع البيئة (تسد ثغرة):

لا بد أن تكون رؤيتي التسويقية لنفسي متناسقة مع حاجات البيئة التي أعيشها، تسد ثغراتها، وتتواكب معها، فإن كانت رؤيتي التسويقية لنفسي تكمل بيئتي، وتستفيد منها؛ نجح تسويقي لنفسي، وإن كانت رؤيتي لنفسي لا تسد حاجة ولا ثغرة ولا تستفيد مما حولها فشلت وضاعت كل الجهود والفرص التسويقية.

الخطة التسويقية؟

لا شك أنَّ نجاح أي أمر من الأمور يعتمد أول ما يعتمد على وجود خطة واضحة المعالم للوصول لهذا النجاح الذي يريده، وما من أحد ينجح في أي أمر في الحياة -سواءً كان التسويق أو غيره- إلا ولديه خطة جيدة، والخطة التسويقية تتضمن الأهداف المطلوب تحقيقها وطريقة الوصول للأهداف، وهي بدورها تتضمن الخطوط العريضة التي تصور موقف الشخص وطموحاته، وتتشكل خطة تسويق الإنسان لنفسه من ثلاثة تساؤلات رئيسة:




أين أنا وأين أريد أن أكون وكيف يمكن أن أصل ؟

وهو تساؤل يوضح عناصر القوة والضعف في الشخص والبيئة التي تحيط به، والاحتياجات التسويقية، وتقويم البرامج التطويرية الحالية.

كما يوضح المكان الذي يريد الشخص أن يصل إليه بدقة في كل المجالات التي يسعى إلى أن يُسَوِّق نفسه فيها.

والإجابة عن هذا التساؤل توفر البدائل والخيارات التي سننفذها بخصوص الخلطة التسويقية (المزيج التسويقي)، والأفكار التي ستوضع لكل واحدة منها؛ من أجل أن يُسَوِّق الإنسان لنفسه ببراعة.

وتحتوي الخطة التسويقية على ما يلي:

1- تقييم لوضع الشخص من جميع النواحي.

2- الاحتياجات المجتمعية والأسرية والحياتية التي يمكن أن يقوم بها.

3- الفرص التي من الممكن أن يستغلها في الاحتياجات السابقة.

4- الأهداف التي يريد أن يحققها ويصل إليها.

5- المزيج التسويقي والأساليب والتكتيكات التسويقية التي سيستخدمها الشخص.

6- تكلفة وقيمة التسويق، وهل يستحق هذا الجهد أم لا ؟

7- طرق وآليات متابعة الخطة.

مهارات وقدرات مهمة لتسوّق نفسك

تطوير المهارات الشخصية:

كما ترتفع قيمة المنتج بتحسين تغليفه وشكله، أو غير ذلك من الأمور التحسينية، فإنَّ قيمة الإنسان ترتفع بتطور مهاراته الشخصية، بل إنَّ تطور المهارات الشخصية يزيد من قيمة جوهر المنتج لا تغليفه وتصميمه.

ولذا فهو تغيير جوهري، وقد وصف الله -سبحانه وتعالى- وفرّق بين الكَلِّ الذي لا يقدر على شيء، ومن يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم

ﭧ ﭨ ﱫﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﱪ [النحل : 76] ، وكل من له أدنى معرفة بالناس يستطيع أن يفرق بين من لديه مهارات، والشخص الذي لا يأت بخير ولا ينجز عملًا.

والحقيقة: أنَّ هناك مهارات يسيرة تحدث فرقًا كبيرًا في الشخص ومهاراته وقدراته، فهي على يسرها الأمر الذي يحدث الفرق.

وسنحاول أن نتحدث باختصار عن شيء من هذه المهارات الأساسية التي تحدث الفرق في شخصية الشخص.

مهارات اتصال:

وهي من أخطر وأهم المهارات التي ترفع قيمة الإنسان وتزيد من قدراته، بل هي حقيقة أساس كثير من المهارات والقدرات، فكثير من المهارات الأخرى تقوم حقيقة على أساس من القدرة على الاتصال الفعال، فمثلًا مهارات القيادة والإدارة والإقناع وغيرها من المهارات لا يمكن تحصيلها إلا بالقدرة المتميزة على الاتصال، ويمكن تقسيم مهارات الاتصال إلى قسمين:

1- مهارات إرسال: يستخدمها المرسل لتوصيل ما يريده للناس.

2- مهارات استقبال: يستخدمها المتصل لفهم ما يريده الناس، وما يقولونه.

ومع أنَّ النوعين على مستوى واحد من الأهمية البالغة، إلا أنَّ مهارات الاستقبال يفترض أن تسبق مهارات الإرسال؛ حتى يكون الإرسال صحيحًا، فيجب أن يكون فهمنا للناس صحيحًا، هذا الفهم الصحيح لا يمكن أن يتم ما لم يكن طريقتنا في الاستقبال صحيحة.

وللتمثيل على مهارات الاتصال؛ سواءً كانت استقبال أو إرسال، نضرب لها الأمثلة التالية:

مهارات إرسال:

- الكلام:

هو الذي يعبر عما في نفسك، وهو الذي ينقل أفكارك، وهو الذي يمثل رأيك في المجالس، وللأسف مع أنَّ مهارات الكلام من المهارات التي يتعلمها الطفل مبكرًا إلا أنَّها لدى كثير من الناس تقف عند مستوى معين لا تتقدم بعد ذلك، ولما ضرب الله مثلًا للكَلَّ الذي أينما وجِّه لا يأتي بخير، وصفه -سبحانه وتعالى- بأنَّه أبكم لا يقدر على شيء، أو كما قال المفسرون: لا يفهم ولا يُفهم، ﭧ ﭨ ﱫﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﱪ [النحل : 76].

لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده

فلم يبق إلا كومة اللحم والشحم!!.

- الإلقاء:

((هو كلام لكنَّه يتعدى الكلام الشخصي إلى الكلام الجماهيري؛ حتى يوصل الشخص أفكاره، وما يريده لأعداد أكبر)).

ومن الصفات التي تبرز الناس، وتسوقهم: القدرة على الكلام، والقدرة على الإلقاء، والقدرة على إثارة الأنصار وحشدهم، وجميع القادة الذين عرفهم التاريخ لديهم شيء من هذه القدرات؛ ولذا كان إمام المسلمين يصلي بهم، ويخطب فيهم الجمعة والأعياد، ويستحث الناس، ويوجههم، ويحشدهم، ومن لم يمتلك هذه المهارة فضعفه بيّن، ومن ملكها فقيمته عالية وتزداد يومًا بعد يوم؛ ولذا لما قدم رجلان من المشرق فخطبا؛ فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ من البيان لسحرا))(77)، وفي رواية: فقال صعصعة بن صوحان: صدَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرجل يكون عليه الحق، وهو ألحن بالحجة من صاحب الحق؛ فيسحر الناس ببيانه؛ فيذهب بالحق))(78).

- الكتابة:

((هي التعبير المكتوب الذي يدوم ويبقى عن شخصية الشخص، وعقله، وروحه))، والكتابة هي الوسيلة الأولى في بقاء العلم، وانتقاله بين الثقافات المختلفة، والأزمنة المختلفة، والكتابة لها من البقاء ما ليس للصوت المسموع، أو الصورة المرئية، كما أنَّ الكتابة سهلة الانتقال والوصول إلى الناس في كل مكان؛ لذا يقول ابن القيم عن الكتابة: ((ولو لم يُعتمد على ذلك -يعني الكتابة- لضاع الإسلام اليوم، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم(79)؛ ولذا أمر الله بالكتابة لحفظ الحقوق، ﭧ ﭨ ﱫ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ ﰂﱪ [البقرة : 282].

ولقد رويت أقوال عديدة في أهمية الكتابة؛ منها: قول معن بن زائدة: ((إذا لم تكتب اليد؛ فهي رجل))، وقول سعيد بن العاص -رضي الله عنه-: ((من لم يكتب؛ فيمينه يسرى)).

وقال آخر: ((اليد التي لا تكتب لا دية لها))، وقال المؤيد: ((الكتابة أشرف مناصب الدنيا بعد الخلافة، إليها ينتهي الفضل، وعندها تقف الرغبة)).

وللتأكيد على أهميتها في رفع قيمة الإنسان وتسويقه نفسه ننقل قول صاحب العقد الفريد: ((وقد تنبَّه بها قوم بعد الخمول، وصاروا إلى الرتب العلية والرتب السنية)) .

ولئن كان كثير من الناس تجاوزوا الأمية وأصبحوا يعرفون القراءة والكتابة؛ إلا أنَّ القدرة على الكتابة الجيدة تتجاوز كتابة الحروف إلى كتابة المعاني، وتصوير الأحداث، وصياغة الأفكار، وهذا يؤكد أهمية أن يحرص من يسوق نفسه على الرقي في تعلم مهارات الكتابة والصياغة.

وما من كاتب إلا سيفنى

ويبقي الدهر ما كتبت يداه

فلا تكتب بكفك غير شيء

يسرك في القيامة أن تراه

مهارات استقبال:

- القراءة:

لن يكتب من لم يعرف القراءة، وليس المقصود بمهارة القراءة مجرد معرفة الحروف، فتعلم مهارات القراءة، والصبر عليها، والقدرة على الفهم العميق السريع لما يقرأ، مهارات ينبغي تعلمها وإتقانها، وبذلك ترتفع قيمة الإنسان وقدراته.

ولقد كان أول أمر للنبي صلى الله عليه وسلم، ﭧ ﭨ ﱫ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﱪ [العلق : 1].

وأظهرت بعض الدراسات أنَّ (70 %) من المعلومات التي يتعلمها الإنسان ترد إليه عن طريق القراءة، فكلما زاد الإنسان من مهارات القراءة لديه؛ زادت قراءته المفيدة، وبالتالي زاد علمه وقيمته.

وعادة ما ينبغي عند تنمية مهارة القراءة تنمية جانبين:

الأولى: القدرة على الاستجابة لما هو مكتوب.

والثانية: هو تفسير عقلي لما هو مكتوب، ولكل جانب مجموعة من المهارات التي ترفع من كفاءة قراءة صاحبها.

- الاستماع:

لا يُفهم من لا يفهم الناس، ولا يُحسن الحديث والكلام من لا يُحسن الاستماع! بل لا يحسن الفهم -أصلًا- من لا يحسن الاستماع.

إنَّ بعض القول فن فاجعل الإصغاء فنًا

وما أحوج كثيرممن أراد أن يسوق نفسه للصمت، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليقل خيرًا، أو ليصمت))(80).

ومن جميل ما قيل في ذلك: ((الخطيب المصقع: من سمع سامعيه قبل أن يسمعوه))، ((والصمت إجابة بارعة لا يتقنها كثير من الناس))، و((عليك أن تغلق فمك قبل أن يغلق الناس آذانهم، وأن تفتح أذنيك قبل أن يفتحوا أفواههم)).

مهارات تقنية

ربما يتغير تعريف الأمية قريبًا من الذي لا يقرأ ولا يكتب إلى من لا يجيد استخدام الحاسب، بل غيرته كذلك بعض الدول! وللأسف ترى رجل بلغ الدرجات العلمية العليا، ومع ذلك لا يجيد استخدام الحاسب، وقيمة مثل هذا في الأعمال كقيمة جوهرة لا يمكن الاستفادة الكاملة منها.

وعلى سهولة استخدام الحاسب تجد كثيرًا من الناس يحجم عن تعلمه بحجج شتى، كل هذه الحجج لا تغير من أنَّ قيمته انخفضت، ووصوله للمعلومة تعسر، وتوصيله لأفكاره انخفض، وجهده الكثير عائده قليل.

وليس المقصود أن يصبح الشخص خبيرًا بالحاسب -رغم أنَّ هذا الأمر جيد- لكن يكفي أن يتعلم رؤوس الأمور التي يحتاج لها، وكلما زاد في ذلك كلما زاد علمه واستفادته، كما ينبغي أن يعرف التعامل مع التقنية حتى لو لم يكن يعرف كيف يقوم بها؛ فذلك يؤهله ليستطيع أن يدير أموره كافة.

كما أنَّ القدرة على الاستفادة من الشبكة العالمية للمعلومات(الإنترنت) تفتح أبوابًا لم تكن لتفتح ما لم تكن تجيد استخدامها، وتجيد البحث فيها.

مهارات لغوية:

- أولًا: إتقان اللغة الأم:

وهي لب وجوهر مهارة الاتصال، كما أنَّها لب وجوهر التفكير ومهاراته، ومن ليس قويًا في لغته لن يكون قويًّا في لغة أخرى، والقوة في اللغة هي قوة في:

1- المفردات: بحيث يكون لدى شخص حصيلة جيدة من المفردات اللغوية، والقدرة على استخدامها.

2- التراكيب: فيكون لدينا القدرة على التراكيب الجيدة للمفردات التي نملكها.

3- الفصاحة: فيكون لدينا معرفة بالنحو والصرف، وأساليب صياغة الكلام، وما شابه ذلك.

4- الشعر والأدب: فإن جمع الإنسان بين القدرة على نظم الشعر وكتابة القصة أو المقطوعة النثرية؛ فهو خير كبير، فإن لم يكن، فلا أقل من القدرة على تذوقهم تذوقًا جيدًا، فهذا يصقل لغة الإنسان وينميها.

- ثانيًا: لغة جديدة:

فإن أضاف إلى لغته الأم لغة أخرى؛ فقد انفتحت له عوالم جديدة وثقافات جديدة تنمي عقله وتنميه، وتكسبه القدرة على رؤية القضايا بشكل مختلف وبلون مختلف، فتضيف إلى عقله عقلًا، وإلى فكره فكرًا .

مهارات تفكير:

نتعلم في دراستنا في المدارس وغيرها الكثير من العلوم، إلا أنَّه -وللأسف- يبقى تعليم التفكير من أضعفها، مع أنَّه هو المعالج لكل المعلومات التي تصلنا، وبالتالي نعقل به الأمور ونزنها، فنصوبها أو نخطئها، وترشدنا؛ فننطلق أو نحجم.

ولذا كان من المهمات المهمة لمن أراد أن يسوق نفسه: أن يتعلم بعض مهارات التفكير، ونحب أن نؤكد على أربع من هذه المهارات والقدرات:

1- المنطق العقلي:

كان الشافعي -رحمه الله- يقول: ((من تعلم الحساب جزل رأيه))؛ فالمنطق يعطي للعقل محددات تحكمه، يقيس بها الأمور، ويزن بها خطواته؛ ولذا نهى الله -عز وجل- عن كل ما يذهب العقل من خمر، أو غيره، أو حتى من أحوال تذهب العقل كالغضب، أو الجوع الشديد، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا طلاق في إغلاق))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة لرجل وهو حاقن، ولا وهو يدافع الأخبثين)).

فالمنطق العقلي يصاحبه جزالة الرأي، وقوة الحجة، ونفاذ الرأي، وسداده بإذن الله.

والشافعي فيما ذكرنا عنه كان يدلنا على أسلوب وطريقة من طرق تنمية جزالة الرأي، ولا شك أنَّ هناك أساليب كثيرة؛ منها: دراسة أقوال الأذكياء الذين لديهم محددات عقلية عالية.

ولا شك: أنَّ من أحسن هؤلاء الأذكياء وأقواهم محددات ومنطق عقلي هم الفقهاء الأصوليون على وجه الخصوص، كما أنَّ من الأساليب لزيادة المنطق العقلي: تعلم إحدى لغات البرمجة في الحاسب الآلي؛ فهي تعتمد المنطق العقلي الرياضي بدرجة كبيرة.

2- الإبداع:

وهو الخروج عن خداع المحددات العقلية، فمع أهمية المنطق العقلي إلا أنَّ المنطق العقلي خادع الأذكياء! أو من يظنون أنفسهم كذلك! فالخروج عن العادة والروتين، واكتشاف طرق جديدة في التعاطي مع القضايا هو الإبداع الذي نحتاجه؛ لتحقيق كثير من النتائج التي نصبوا إليها.

والإبداع ليس حركة ذهنية عابثة مجنونة بقدر ما هو نمط ذهني وعقلي يتعلمه الناس، ومن يسوق نفسه ستقابله تحديات كبيرة يحتاج إلى تجاوزها، وبالتالي يحتاج إلى أساليب إبداعية في التعامل معها، كما أنَّ أي شخص نمطي قيمته تصبح مع التقادم صغيرة جدًّا! بل ربما فاقه أقرانه وتعدوه.

ومن أجل تعلم كامل للإبداع، يحتاج الشخص أن يزيد من لياقته، ومرونته الذهنية والنفسية، وهذا يحتاج إلى تدريب، ومران، وعزيمة، وصبر.

3- التفكير المنظم المتوازي:

من أكبر آفات التفكير التشتت والتداخل، فهو يجعل الأفكار تهدم بعضها بعضًا أكثر مما تُبنى على بعض، وبالتالي يصبح الفكر يدور في مكانه؛ فالأفكار المتضاربة لا تنتج فكرة ناضجة واضحة؛ ولذا كانت من المهارات المهمة: التفكير بطريقة منظمة متوازية يبني بعضها على بعض، بدلًا من أن يهدم بعضها بعضًا.

وترتفع قيمة الإنسان بارتفاع قدرته على إنتاج أفكاره بطريقة متوازية، إذ إنَّ بعض الناس يسيطر عليهم مثلًا التشاؤم، أو التفاؤل، أو يفكر بهما كليهما بطريقة متضاربة، وأحيانًا يسيطر عليه التفكير المنطقي، أو تسيطر عليه مشاعره في التفكير، أو تتضارب مشاعره والمنطق، وغير ذلك كثير من صور التضارب، وهذا يجعل تفكيره يهدم بعضه بعضًا؛ من حيث أن يتوازى التفكير فيتزن ويتسق ويبني بعضه على بعض؛ مما يجعل قابلية الإنسان لإنتاج أفكار ناضجة أكبر، وبالتالي قيمته تكون أكبر، وقدرته على تسويق نفسه أكبر.

4- الذكاء العاطفي (الوجداني):

كثير من الأذكياء لم ينجحوا النجاح الذي يرجونه في حياتهم، وكثير من الناس الذين قد يبدون أنَّهم أقل ذكاءً؛ لكنَّهم حققوا نجاحًا متميزًا في حياتهم.

وتثبت الدراسات أنَّ مردَّ ذلك كثيرًا ما يكون إلى الذكاء العاطفي، الذي هو: القدرة على إدراك الانفعالات، أو العواطف بدقة، وتقييمها، وتنظيمها، والتعبير عنها، أو حتى توليدها، ولا يقود من لا يملك ذلك؛ فقيادة الناس ألْصَقُ بالمشاعر، والقدرة على التعرف عليها، وفهمها وتنظيمها، والتعامل معها، بل وتوظيفها، أو توليدها.

ونحن نعني بذلك مشاعر الناس كما نعني ما هو أهم وأخطر! وهو مشاعر الشخص نفسه التي تعطيه رؤية أفضل لنفسه وحياته، وبالتالي ثقة في النفس، واتزان، وطمأنينة، وبالتالي رؤية أعمق لمشاعر الناس وعواطفهم، وبالتالي قدرة أكبر على قيادتهم وتحريكهم نحو الأهداف التي يرغب الإنسان فيها.

ومن تأمل في سيرته صلى الله عليه وسلم وجد من ذلك عجبًا، ففي فتح مكة لما قال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أبا سفيان رجل يحب الفخر))، قال صلى الله عليه وسلم: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن))، مع أنَّه: ((من دخل داره؛ فهو آمن)).

وانظر إليه صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية لما يأتيه الرسل كيف يعرف كل واحد منهم المعرفة الدقيقة، كما يعرف أصحابه معرفة دقيقة جدًّا، واسمع أصحابه وقد ملئت محبته صلى الله عليه وسلم شغاف نفوسهم (فإذا تكلموا خفَّضُوا أصواتهم، وما يحَِدُّونَ إليه النظر؛ تعظيمًا له)، ومن أراد أن يكون للمتقين إمامًا؛ فليكن إمامُ المتقين إمامَه.

البيئة التسويقية:

من الخطوات الأولى في وضع خطة: أن يكون لدينا معرفة وتصور للبيئة التسويقية التي ستوضع لها الخطة، والبيئة التسويقية: هي مجموعة من العوامل أو القُوَى التي تؤثر بطريقة ما (مباشرة أو غير مباشرة) على مدى قدرة المشروع في الحصول على المخرجات، ومعرفتها تساعد على اختيار المزيج التسويقي المناسب، كما تساعد على التعامل المناسب مع جميع الأحداث، واتخاذ القرار المناسب فيها، ومن لم يعرف بيئته أتى في تسويقه لنفسه بالعجائب! بل ربما كانت النتائج عكس ما يريده، وما يصبوا إليه، والبيئة التسويقية التي نتحدث عنها شقين:

البيئة الجزئية:

وهي البيئة الملاصقة لمن يُسَوِّق لنفسه، مثل: أهله، وأولاده، وأصدقائه، والعاملين معه، وطلابه، والمنافسين له، والحي أو المدينة التي يسكن فيها، وما شابه ذلك، وهذا الشق من البيئة يمكن -إذا يسر الله- التأثير فيه بشكل مباشر، فيستطيع من يُسَوِّق لنفسه أن يغير، أو يطور، أو يعدل من بعض صفات أو أعمال أهله، أو طلابه، وإن كان هذا يحتاج إلى جهد كبير؛ ولذا يجب أن يبذل الإنسان وسعه في التعرف على البيئة التي حوله، وفي التأثير فيها؛ ولذا كان صلى الله عليه وسلم يسأل عن أصحابه، بل ربما سأل عنهم بأسمائهم، وكان صلى الله عليه وسلم يعرف قدرات من حوله، فكان يقول: ((أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي: أَبُو بَكْر،ٍ وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ: عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً: عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ: أُبَيٌّ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ))(81).

فكان صلى الله عليه وسلم يعرف قدرات أصحابه وإمكانياتهم، بل كان يعرف قدرات وإمكانيات وصفات حتى أعدائه، ففي صلح الحديبية لما جاء رجل من بني كنانة قال صلى الله عليه وسلم: ((هذا فلان، وهو من قومٍ يُعظِّمون البدن فابعثوها له))؛ فبُعثت له، واستقبله الناس يلبُّون، فلما رأى ذلك، قال: ((سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت))، فلما رجع إلى أصحابه، قال: ((رأيت البُدْنَ قد قُلِّدَتْ، وأُشْعِرَتْ؛ فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت)).

ولما أرسلت قريشًا رجلًا آخر؛ يُقال له: مكرز بن حفص، قال صلى الله عليه وسلم: ((هذا مِكْرز وهو رجل فاجرٌ)).

ولما جاء سهيل بن عمرو؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد سُهِّلَ لكم من أمركم))(82)، فكان صلى الله عليه وسلم يعرف الأفراد، والقبائل، والأصحاب، والأعداء؛ ولذلك أساليب كثيرة من أهمها:

أن يصبح الشخص جزءًا من البيئة، ليس مفصولًا عنها في برج عاجيٍّ، لا يُحسُّ بآلامها وأفراحها، ولذا جاء الشرع بوجوب إجابة الدعوة، واستحباب تعزية أهل الميت، وما شابه ذلك.

وخدمة الناس والسعي في مصالحهم، فخادم القوم سيدهم، ومن فعل ذلك بتواضع عرف من أحوال الناس ومعيشتهم ما لا يمكن أن يعرفه غيره.

البيئة الكلية:

وهي البيئة المباشرة للمجتمع كله، ويجب على من يُسَوِّق لنفسه أن يستجيب لها ويتكيف معها، أما التأثير فيها، فلا يتم إلا بعد أن يصل الشخص إلى مرحلة من النفوذ والقوة، وهنا نتحدث عن البيئة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والتربوية، والتقنية، والنفسية، والقانونية، والطبيعية، ومن المهم أن يعرف من يُسَوِّق لنفسه هذه الأبعاد، ولما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى الحبشة قال لهم: ((إنَّ بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا، ومخرجًا مما أنتم فيه))(83).

ومن اشتغل في تسويق نفسه بدون وعي ببيئته المحيطة به، ربما جنى على نفسه، ولو بغير قصد، ولكي يكون الإنسان عالمًا ببيئته الكلية المحيطة به ينبغي عليه أن يراعي عدة أمور منها:

1- أن يحرص على تنويع مصادر معلوماته؛ حتى لا تسيطر عليه كثيرًا فئة محددة من المعلومات.

2- أن يحرص على أن يُخصص وقتًا من قراءاته وجهده للتعرف على الواقع؛ إذ (الحكم على الشيء فرع عن تصوره) كما يقول الفقهاء، ولقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: (إنَّما تنقض عرى الإسلام عروة عروة؛ إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية).

3- أن يستعين بأهل الخبرة والتخصص للقيام بدراسات ميدانية تدرس البيئة بطريقة علمية.

فإذا كانت البيئة واضحة، والمعرفة بها جيدة، ينتقل المسوق لوضع المزيج التسويقي المناسب لهذه البيئة والمتلائم معها.

المزيج التسويقي (أنت نفسك)

أي؛ الشخص نفسه، فكل الجهود التسويقية تقوم على تسويق مُنتَج جيد، وفي تسويق الشخص لنفسه يكون هو المُْنتِج والمنتَج في آن واحد، ويكون الشخص هو عمدة التسويق وركيزته وحجر الأساس لنجاحه، وعندما نتحدّث عن الشخص باعتباره (المُنتَج)؛ فإنَّنا نتحدث عن ذاته الجسمية، وعن أخلاقه وصفاته، وعن منفعته، وعن مهاراته، وعن خدماته، وعن علاقاته وصلاته، وغير ذلك، ويمكن توضيح ذلك في ثلاثة مستويات:




أولًا: جوهر الشخص:

عند الحديث عن جوهر الشخص لا بد من الحديث عن عناصر القوة في أخلاقه وصفاته وجسمه، كما أنَّه لا بد من الحديث عن عناصر الضعف؛ لأنَّ عناصر القوة هي الركيزة الرئيسة في شخصيته وذاته التي سيسوقها، كما أنَّ عناصر الضعف هي أساس المعوقات التسويقية لكل المزيج التسويقي.


عناصر القوة:

هناك في كل شخص عناصر قوة تختلف عن الشخص الآخر، ﭧ ﭨ ﱫﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﱪ [الإسراء : 21]، إلا أنَّ أهم عناصر القوة التي إذا توفرت في الشخص ساعدت ويسرت القدرة على التسويق: ما ذكره الله في الآيتين الكريمتين عن بني إسرائيل، وسبب جعلهم أئمة، ﭧ ﭨ ﱫﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﱪ [السجدة : 24]، وقوله تعالى عنهم -أيضًا- في قصة طالوت وجالوت لما سألوا: لماذا وُلِّيَ عليهم طالوتُ، وهم أحق بالملك منه؟! أجابهم الله على لسان نبيهم قائلًا: ﱫﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﱪ [البقرة: 247]، فجمع في هذه الآيتين أهم الصفات التي يحتاجها القادة، وهي:


Continue reading this ebook at Smashwords.
Download this book for your ebook reader.
(Pages 1-62 show above.)